بغداد – إنماز نيوز
تتكرّر كل عام ظاهرة وصول أسراب طيور الفلامنكو (النحام الوردي) إلى أهوار العراق الجنوبية، لكنها باتت في السنوات الأخيرة حدثًا مثيرًا للجدل والقلق البيئي بدلًا من أن تكون مشهدًا طبيعيًا جميلًا. هذا الطائر اللافت بألوانه الزاهية يقصّد العراق خلال موسم الهجرة، لكنّ وصوله وتحوّله إلى سلع تُباع في الأسواق أثار استياء البيئة والنشطاء.
من هو طائر الفلامنكو؟
طيور الفلامنكو، أو النحام الوردي، هي طيور مائية تنتمي إلى رتبة النحاميات (Phoenicopteriformes)، وتشتهر بأرجلها الطويلة، عنقها المنحني، وريشها ذو اللون الوردي المميز الذي يرجع في الأساس إلى غذائها الغني بالكاروتينات مثل الطحالب والكائنات الصغيرة الشبيهة بالجمبري. تعيش هذه الطيور في مجموعات كبيرة تُعرف باسم «المستعمرات» حول البحيرات المالحة والمسطحات المائية، وتتميز بقدرتها على الطيران لمسافات طويلة خلال الهجرة.
كم عدد الطيور المهاجرة في العراق؟
العراق يُعدّ محطة بيئية مهمة على مسارات الهجرة في غرب آسيا؛ إذ يستقبل أراضيه سنويًا أعدادًا كبيرة من الطيور المهاجرة التي تُقدّر بما يصل تقريبًا إلى 270 نوعًا مختلفًا، من بينها طيور الماء، الطيور الجارحة، وأنواع نادرة مثل الفلامنكو، التي تصل من مناطق بعيدة مثل روسيا، سيبريا، كندا، والصين.
ورغم هذه الإحصائية العامة عن تنوع الطيور المهاجرة، إلا أن المصادر العلمية تؤكد أن الفلامنكو الذي يصل إلى أهوار العراق هو النوع المعروف علميًا باسم الفلامنكو الأكبر (Phoenicopterus roseus)، وهو نفس النوع الذي يستخدم مسار الهجرة بين أوروبا وشمال أفريقيا.
لماذا يفضّل الفلامنكو العراق؟
العراق يقع على أحد مسارات الهجرة الطبيعية للطيور المهاجرة بين قارتي أوروبا وآسيا وأفريقيا، ويسمح له موقع الأهوار والبحيرات الجنوبية بأن يكون موطنًا مؤقتًا لهذه الطيور خلال مواسم البرد أو عندما تبحث عن مساحات مائية دافئة وغنية بالغذاء. الأهوار، خاصة في محافظات ميسان وذي قار والبصرة، توفر بيئة مناسبة من حيث المياه العذبة والطعام مما يجعلها محطة توقف مهمة لطائر الفلامنكو خلال موسم الشتاء ودائرة سيره بين الموائل.
المشهد المؤلم في الأسواق
لكن بدل أن يكتفي المواطنون بمشاهدة هذه الطيور في بيئتها الطبيعية، ظهرت في السنوات الأخيرة مظاهر غير قانونية للصيد وبيع الفلامنكو في بعض الأسواق الشعبية مثل سوق الغزل في بغداد ومدن جنوبية، حيث يعرض البعض هذه الطيور للبيع كحيوانات زينة أو حتى يُباع لحمها للطعام، رغم أن ذلك مخالف للقوانين والاتفاقيات الدولية لحماية الحياة البرية.
وفقًا لمصادر بيئية، فإن السوق غير الرسمية قد تشهد بيع ما بين 1 إلى 10 طيور فلامنكو في الشهر خلال موسم الشتاء في بعض المناطق، مع بيعها بأسعار تتراوح بين 30 إلى 40 ألف دينار عراقي (أي ما يقارب 15–20 دولارًا) للواحدة.
القانون والبيئة: حماية أم تجاهل؟
القانون العراقي يُجرّم الصيد الجائر للطيور المهاجرة، ويعاقب المخالفين بعقوبات تصل إلى السجن لمدّة تصل إلى ثلاث سنوات، لكن تطبيق هذه القوانين ظلّ غير كافٍ في مواجهة انتشار ظاهرة الصيد غير القانوني.
الخبراء والناشطون يؤكدون أن انخفاض أعداد الطيور المهاجرة بما فيها الفلامنكو في السنوات الأخيرة يعود ليس فقط إلى الصيد الجائر، بل أيضًا إلى التغيرات المناخية، وتدهور الموائل الطبيعية بسبب انخفاض مستويات المياه، وتغير نمط الأهوار.
حماية التنوع البيولوجي مسؤولية الجميع
طيور الفلامنكو ليست مجرد مشهد جميل في السماء أو في الأهوار، بل هي جزء من شبكة بيئية عالمية تعبر حدود الدول وتربط بين القارات. ولأن العراق يشكّل محطة مهمة لهذه الهجرة، فإن حماية هذه الطيور تُعدّ مسؤولية بيئية وقانونية تتطلب تعزيز الوعي، وتطبيق القوانين، وإشراك المجتمعات المحلية في حفظ التنوع البيولوجي.




