إنماز نيوز – في قلب بغداد، عند ساحة الخلاني، تقف بناية «عشر فلوس» مثل قطعة نقدية علِقت في هواء المدينة منذ أكثر من ستة عقود. مبنى دائري يختلف عن كل ما حوله، لا ينسجم مع العشوائيات التي أحاطت به لاحقًا، لكنه ظل علامة ثابتة في ذاكرة البغداديين، حتى بعد أن خرج من الخدمة وتحول إلى هيكل مهمل.
تأسست بناية «عشر فلوس» عام 1962، وصمّمها المهندس المعماري العراقي حازم نامق، أحد روّاد الجيل الذي قاد تحوّل العمارة العراقية نحو الحداثة في ستينيات القرن الماضي. جاءت البناية ضمن سياق عمراني كانت فيه الدولة تنظر إلى المعمار بوصفه جزءًا من مشروعها الرمزي، لا مجرد منشأة خدمية.
اختار نامق الشكل الدائري، وهو قرار جريء في بيئة اعتادت العمارة المستقيمة والزوايا الحادة. هذا الشكل هو ما منح المبنى اسمه الشعبي؛ إذ شبّهه البغداديون بعملة «العشر فلوس» المعدنية المتداولة آنذاك. لم يكن الاسم تهكميًا، بل نابعًا من علاقة حميمة بين الناس والمكان، حيث تحوّل المبنى إلى صورة ذهنية سهلة التداول.

يبلغ عمر البناية اليوم أكثر من 62 عامًا، وهي بذلك تنتمي إلى مرحلة مفصلية في تاريخ بغداد الحديث. لم تُبنَ للسكن، بل كمبنى إداري – خدمي في منطقة مركزية تربط الأسواق بالوزارات. قبل عام 2003، كانت تضم دوائر حكومية ومكاتب رسمية، إضافة إلى محال تجارية في الطابق الأرضي، وكانت تعج بالحركة اليومية.
شهادة معمارية
يقول المعماري قحطان المدفعي (72 عامًا)، الذي عمل في دائرة التخطيط العمراني في سبعينيات القرن الماضي:
“بناية عشر فلوس كانت مثالًا على محاولة خلق شخصية عمرانية لبغداد. التصميم الدائري لم يكن عبثيًا، بل رسالة بأن المدينة قادرة على استيعاب أفكار معمارية حديثة دون أن تفقد هويتها.”
ويضيف أن البناية “لم تُصمَّم لتكون جميلة فقط، بل عملية، متماسكة، وتخدم الفضاء العام”.
أما المعمارية لمياء عبد الأمير، الباحثة في تاريخ العمارة العراقية، فترى أن المبنى “ينتمي لمدرسة ترى أن المبنى يجب أن يُرى ويُتذكَّر”، وتقول:
“لو بُني هذا المبنى في مدينة أخرى، لكان اليوم مصنّفًا تراثًا حداثيًا. المشكلة ليست في العمارة، بل في طريقة تعاملنا معها.”
ذاكرة الناس
بالقرب من الساحة، يجلس أبو حسن (78 عامًا)، وهو بائع قديم في منطقة الخلاني، يستعيد ذكرياته مع المبنى قائلاً:
“كنا نكول نلتقي يم العشر فلوس. الموظفين يطلعون، المراجعين داخلين، والمكان حي. ما كانت بناية ميتة مثل هسه.”
ويؤكد أن الطابق الأرضي كان نابضًا بالحياة، “كلشي موجود: تصوير، قرطاسية، شاي”، قبل أن يبدأ التراجع تدريجيًا بعد 2003.
ما بعد 2003: الانكسار
بعد عام 2003، تغيّرت وظيفة المكان جذريًا. أدت الفوضى الأمنية، وتفكك مؤسسات الدولة، وانتقال الدوائر الحكومية، إلى إفراغ البناية من محتواها. غياب الصيانة، والتجاوزات، وسرقة بعض مرافقها، جعلت المبنى غير صالح للاستخدام، فتحول إلى فراغ مهجور.
يقول الباحث في الشأن الحضري سعد الساعدي: ما حصل لعشر فلوس حصل لعشرات المباني في بغداد. نحن لم نخسر مباني فقط، بل خسرنا سردية المدينة.”
ساحة تغيّرت… وبناية صامتة
ساحة الخلاني نفسها لم تسلم من التحوّل. من فضاء مدني منظّم، إلى عقدة مرورية وبؤرة ازدحام وبسطات. وسط هذا المشهد، تقف بناية «عشر فلوس» بلا لوحة تعريف، بلا مشروع إنقاذ، وبلا اعتراف رسمي بقيمتها.
المفارقة أن خبراء يؤكدون أن المبنى ما زال متماسكًا إنشائيًا، وقابلًا لإعادة التأهيل. يقترح معماريون تحويله إلى مركز ثقافي، أو متحف للمدينة الحديثة، أو فضاء عام يعيد الاعتبار لذاكرة بغداد العمرانية.
أكثر من بناية
بناية «عشر فلوس» ليست مجرد مبنى قديم، بل وثيقة عمرانية عن مرحلة كانت فيها بغداد تحلم وتخطط وتبني. إن إنقاذها اليوم لا يعني ترميم جدران فقط، بل ترميم علاقة مدينة بتاريخها القريب.
في النهاية، تبقى «عشر فلوس» سؤالًا مفتوحًا:
هل تتصالح بغداد مع ذاكرتها؟
أم تترك رموزها تسقط، واحدة تلو الأخرى، من جيب الزمن؟
